العيني
168
عمدة القاري
بحرب من الله عز وجل ) . وأجاب أبو حنيفة عن حديث الباب بأن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر لم كن بطريق المزارعة والمساقاة ، بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم والصلح ، لأنه صلى الله عليه وسلم ملكها غنيمة ، فلو كان أخذ كلها جاز وتركها في أيديهم بشطر ما يخرج منها فضلاً ، وكان ذلك خراج مقاسمة وهو جائز كخراج التوظيف ، ولا نزاع فيه ، وإنما النزاع في جواز المزارعة والمعاملة ، وخراج المقاسمة أن يوظف الإمام في الخارج شيئا مقدراً عشراً أو ثلثاً أو ربعاً ويترك الأراضي على ملكهم مناً عليهم ، فإن لم تخرج الأرض شيئاً فلا شيء عليهم ، وهذا تأويل صحيح ، فإنه لم ينقل عن أحد من الرواة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم . وقال أبو بكر الرازي في ( شرحه لمختصر الطحاوي ) : ومما يدل على أن ما شرط من نصف الثمر والزرع كان على وجه الجزية ، أنه لم يرو في شيء من الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم أخذ منهم الجزية إلى أن مات ، ولا أبو بكر ولا عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، إلى أن أجلاهم ، ولو لم يكن ذلك لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية ، والخراج الموظف أن يجعل الإمام في ذمتهم بمقابلة الأرض شيئاً من كل جريب يصلح للزراعة صاعا ودرهماً . فإن قلت : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أراضي خيبر على ستة وثلاثين سهماً ، وهذا على أنها ما كانت خراج مقاسمة ؟ قلت : يجوز أنه صلى الله عليه وسلم قسم خراج الأراضي بأن جعل خراج هذه الأرض لفلان وخراج هذه لفلان . فإن قلت : روي أن عمر رضي الله تعالى عنه ، أجلى أهل خيبر ولم يعطهم قيمة الأراضي ، فدل ذلك على عدم الملك . قلت : يجوز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء ، وأعطاهم بعد ذلك . وفيه : تخيير عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يقطع لهن من الأرض وبين إجرائهن على ما كن عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يملكهن ، لأن الأرض لم تكن موروثة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا توفين عادت الأرض والنخل على أصلها وقفاً مسبلاً ، وكان عمر يعطيهن ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة ) ، وقال ابن التين : وقيل : إن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، كان يقطعهن سوى هذه الأوسق اثني عشر ألفاً لكل واحدة منهن ، وما يجري عليهم في سائر السنة . 9 ( ( بابٌ إذا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنينَ في المُزَارَعَةِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا لم يشترط رب الأرض سنيناً معلومة في عقد المزارعة ، ولم يذكر جواب : إذا ، الذي هو : يجوز أو لا يجوز لكان الاختلاف فيه ، قال ابن بطال : قد اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل ، فكرهها مالك والثوري والشافعي وأبو ثور ، وقال أبو ثور : إذا لم يسم سنين معلومة فهو على سنة واحدة ، وقال ابن المنذر : وحكى عن بعضهم أنه قال : أجيز ذلك استحساناً ، وادعى القياس لقوله صلى الله عليه وسلم : ( نقركم ما شئنا ) . قال : فيكون لصاحب النخل والأرض أن يخرج المساقي والمزارع من الأرض متى شاء ، وفي ذلك دلالة أن المزارعة تخالف الكراء ، لا يجوز في الكراء أن يقول : أخرجك عن أرضي متى شئت ، ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلاَّ وقتاً معلوماً . قلت : لصحة المزارعة على قول من يجيزها شروط ، منها بيان المدة بأن يقال : إلى سنة أو سنتين ، وما أشبهه ، ولو بين وقتاً لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة ، وكذا لو بين مدة لا يعيش أحدهما إليها غالباً تفسد أيضا ، وعن محمد بن سلمة : أن المزارعة تصح بلا بيان المدة ، وتقع على زرع واحد ، واختاره الفقيه أبو الليث ، وبه قال أبو ثور ، وعن أحمد : يجوز بلا بيان المدة لأنها عقد جائز غير لازم ، وعند أكثر الفقهاء : لازم . 9232 حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال عامَلَ النبي ( صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ . . هذا الحديث قد مضى في الباب السابق بأتم منه ، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع ، وهنا أخرجه عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع ، وأعاده مختصرا لأجل الترجمة المذكورة ، والمطابقة بينهما ظاهرة لأنه ليس فيه التعرض إلى بيان المدة .